Hits: 2973

مجلة (اتصال). العدد 7. مارس 2004

مصطلح (Grid) الانجليزي شائع التداول بين المهندسين الكهربائيين الذين يعرّفون به شبكة الربط الكهربي المتشعبة عبر المدن والبلدان. وفي حين تشير الكلمة في السياق الهندسي عموماً لأي شبكة تقاطعية يكونها التقاء مجموعة خطوط أفقية بأخرى رأسية، فإنها باتت تتردد حالياً في الأوساط المعنية بتطوير شبكات الحواسيب مقترنة بتقنية تنبئ بنقلة جديدة في طريقة تعاملنا مع الشبكات الرقمية ومع حاسباتنا الآلية ككل.

هذه التقنية، (Grid Computing) – نعربها هنا بـ (الحوسبة الشبكية) – ، قديمة الجذور حديثة الصيغة. وهي تعني تكامل مجموعات كبيرة ومتباينة من الأنظمة الحاسوبية مع بعضها البعض عن طريق اتصالها عبر خطوط الشبكات الرقمية السريعة. ويهدف هذا التكامل لتوفير نظام حاسوبي ترابطي يتيح لكل جهاز متصل به إمكانية الإستفادة من قدرات المعالجة والحفظ التي تمتلكها الأجهزة الأخرى على الشبكة ومشاركتها في بياناتها وبرمجياتها على نحو يبشر بمستقبل تسقط فيه كل العوائق التي تعترض القدرات الفنية المحدودة للحاسب الشخصي الوحيد أو الشبكة الحاسوبية المفردة.
قد يبدو هذا الوصف قريباً من وصف شبكة (الانترنت) التي نستخدمها اليوم. لكنه في الواقع يحدد ملامح المرحلة التالية لمشروع الانترنت. فالخدمات الانترنتية الحالية كالشبكة النسيجية العالمية (World Wide Web) والبريد الالكتروني والاتصال التناظري (peer-to-peer communication) الذي يتيح التواصل المباشر بين الحواسيب على الشبكة كما في تطبيقات (KaZaA)، كلها تمثل وحدات البنية التحتية لطريق المعلومات السريع الذي حقق لنا سهولة الاتصال والحصول على المعلومة لكنه يشترط مقابل ذلك بيئة موحدة يجب على كل من أراد أن ينضم بشبكته لها أن يوافقها مع قوانينها وبروتوكولات اتصالها. وبالإضافة لذلك فإن المستخدمين، أفراداً ومؤسسات، ينفقون الكثير من الجهد والمال والوقت في تطوير أنظمتهم الشخصية وتعديلها وإصلاح الأعطال التي غالباً ما تصيبها مسلّمين بقبول ذلك كله كضريبة للاعتماد على الحاسب الآلي في أعمالهم. ويطمح القائمون عل تقنية (الحوسبة الشبكية) الآن لنقل العبء من اللإنسان للآلة بتشييد بيئة افتراضية تعي مفهومي (المعلومات) و (الحوسبة) وتوفرهما كخدمتين يمكن أتمتة تبادلهما وتوزيعهما عبر الشبكة بين كل المتصلين بها.
ويستمد هذا التوجه البحثي أهميته كذلك من التزايد المطرد في سرعة المُعالجات والسِعات التخزينية للأقراص الصلبة التي باتت تزود بها الحاسبات الشخصية بما يشكل فائضاً عن احتياجات الغالبية العظمى من المستخدمين العاديين المرتبطين بالانترنت، وهو ما يدفع لاستغلال هذه القدرة الحاسوبية المهدرة عبر تقنيات (الحوسبة الشبكية) بواسطة برامج تعمل على نمط حوافظ الشاشات، وتستغل أوقات توقف المستخدم عن العمل على حاسبه الشخصي لتُشغل معالجه في حل معادلة أو تنفيذ عملية ما ينوء بهمها جهاز آخر.
ولتقريب الصورة لذهن القارئ، نضرب مثالاً بالتطبيقات العلمية المعقدة التي تتطلب التعامل مع عدد هائل من البيانات الرقمية وإجراء عمليات حسابية مطولة عليها. فبغض النظر عن قدرة الباحث على الاتصال بالانترنت أو استخدام أي من خدماتها فإن العاملين الحاسمين للنجاح في هذا المثال يتمثلان في توفر البيانات العلمية المطلوبة ووجود القوة الحاسوبية لدى الحاسوب أو الشبكة الحاسوبية التي يمتلكها الباحث. وإن تعذر توفر أي من ذلك فإن الانترنت بكل هيبتها ليست ذات نفع هنا. وتفترض تطبيقات (الحوسبة الشبكية) وجود آلية معينة لربط الحواسيب المنتمية للجهات العلمية أو التجارية أو الشخصية ذات الاهتمامات المشتركة. وتقوم هذه الآلية بفتح القدرات الاستيعابية والتطبيقية للحاسبات على بعضها بحيث لا يقيدك ضعف المعالج الموجود بحاسوبك الشخصي ولا شح البيانات المسموح بعرضها على الشبكة النسيجية ولا حتى افتقارك للبرنامج اللازم لإجراء التطبيق المطلوب طالما أنت عضو في الـ (Grid) الحاسوبية.
ويراد لهذه الشبكة الحاسوبية أن تعمل بنفس الشفافية التي توفرها شبكة الـ (Grid) الكهربائية. فأنت عندما توصل القابس الخاص بأي جهاز كهربائي في المقبس الجداري فإنك لا تفكر من أين تحصل على الجهد الكهربي. وسواء كان مصدر التيار محطة توليد توربينية أو شمسية أو مفاعلاً نووياً فإن المستخدم النهائي لا يعنيه سوى أن يكون متصلاً بشبكة الربط الكهربائي ويحصل على التيار. وكذلك تعد (الحوسبة الشبكية) ببيئة مفتوحة ليس من شأن المستخدم فيها البحث عن مصدر المعلومة أو القدرة الحسابية وإنما يراد منه تحديد طلبه وترك مهمة توفيره لميكانيكيات الشبكة.
حيث أن  الانترنت الحالية توفر البنية التحتية للحوسبة الشبكية المقبلة، فإن الجهود البحثية مركزة الآن على توفير البرمجيات والآليات التي من شأنها تنظيم تبادل الموارد الحاسوبية بشكل آمن وسريع. والعمل قائم على صياغة بروتوكولات وبرامج تقوم على تذليل الاختلاف والتضارب الموجود عادة بين نظم الشبكات المختلفة بحيث يتم الاتصال فيما بينها بمعزل عن المستخدم الذي سوف لن يشاهد سوى النتائج النهائية لمئات عمليات الربط والحوسبة المعقدة على الشبكة. وستقوم هذه البرمجيات بتكوين تجمعات شبكية تعرف بـ (الأنظمة الافتراضية – Virtual Organizations) التي تضم تحت مظلتها كل من يحق له الانظمام للشبكة حسب تخصصها. وسوف لن تعبث هذه البرمجيات الشبكية بالنظم الخاصة بأعضاء الشبكة لكنها ستعمل على توفير واجهة (Interface) بينها تمنع التضارب الذي غالباً ما يشل تعاونها أو تصلح آلياً أي خلل ينجم عن هذا الترابط.
وتمثل مواقع التجارة العالمية المنتشرة على الشبكة النسيجية هدفاً ممتازاً كذلك لهذه التقنية بقيامها على تكامل عدة خدمات الكترونية في آن واحد. فعبر خدمات الانترنت الموجودة حالياً يواجه الباعة تحديات شتى تتمثل في التوفيق بين ما يعرضونه على مواقعهم وما يتوفر فعلاً في مستودعات الجهات الموردة للسلع. ويتطلب الأمر سيلاً من الاتصالات بين الأفراد والبرمجيات غير المتوافقة غالباً من كل الأطراف المشتركة في عملية البيع للتأكد من عدم وجود تضارب بين خدمات الإعلان عن السلع وتسعيرها وشحنها وسحب قيمتها من الحساب البنكي للعميل. وبالرغم من النجاح الكبير الذي تحرزه مواقع التجارة الالكترونية إلا أن القائمين عليها لا زالوا يطمحون لنظام آلي يقوم ذاتياً بتوجيه النظم والبرمجيات المختلفة. وتمثل (الحوسبة الشبكية) أملهم في هذا الصدد.
منذ أن انتعشت أبحاث هذا المجال في أواسط التسعينات، ظهرت عدة نماذج لشبكات الـ(Grid) مسخرة للأغراض البحثية والعلمية. وتتيح العديد من هذه الشبكات الاختبارية الفرصة للأفراد المهتمين للانضمام لها بأجهزتهم الخاصة ومعايشة فوائد (الحوسبة الشبكية). كما توفر العديد من مراكز الأبحاث قواعد بياناتها كموارد لمشاريع من هذا الطراز. وتضم قائمة الشبكات الموجودة حالياً وكالات الفضاء والمعاهد الطبية ومراكز أبحاث الطاقة وكل المهتمين بعمليات المحاكاة (Simulation) وحتى المهووسين بالبحث عن مخلوقات ذكية خارج كوكب الأرض. كما تهتم المؤسسات التجارية بالموضوع لأنه يوفر لها عوامل جذب لا منتاهية متمثلة في الموارد المشتركة التي يمتلكها باقي الشركاء على الشبكة في مقابل حاجتها سابقاً للانفاق على وسائلها التقنية الخاصة في مجالي الإعلان والتسويق.
بالرغم من الدعم الهائل الذي تحظى به أبحاث (الحوسبة الشبكية) في العالم المتقدم إلا أنه تواجه تحديات في إبجاد النمط الأمثل لإدارة مجموعات الحواسيب والشبكات الموزعة عبر أرجاء الأرض والتي لا تعمل كلها وفق نظام واحد. كما وأن تطور القدرات الحسابية المطرد للأجهزة يمثل تحدياً آخر يوجب البحث عن وسيلة تطور بها الشبكة نفسها لتستجيب لتضاعف إمكانات أعضائها. ناهيك عن انصراف الأفراد من عامة  المستخدمين عن المساهمة الطوعية في هذه المشاريع التي تحتاج لأعداد كبيرة من المشتركين لتقييم فاعلية نظمها. وصعوبة هذه التحديات تفسر الاهتمام البحثي الكبير المنصب على هذا المجال والمبالغ التحفيزية التي تدفع للمتطوعين به. لا غرو.. فهو يمثل الوجه الجديد للانترنت الذي قد تظهر به علينا يوماً ما.

بعض مشاريع الحوسبة الشبكية حول العالم*:
European Union DataGrid www.eu-datagrid.org الاتحاد الأوروبي التطبيقات الفيزيائية و البيئية والمعلوماتية – الحيوية
Grid Physics Network Griphyn.org المؤسسة الوطنية الأمريكية للعلوم (NSF) تحليل بيانات التجارب الفيزيائية واسعة النطاق
Information Power Grid www.ipg.nasa.gov الوكالة الأمريكية للطيران والفضاء دعم أبحاث علوم الطيران
Singapore BioGrid www.nic.nus.edu.sg/biogrid الحكومة السنغافورية أبحاث المعلوماتية – الحيوية