Hits: 2223

المقال كما نشرته الوطن

بالرغم من أن الموضوع قد مرَّ عبر وسائل الإعلام منذ أشهر، إلا أنه مرَّ مرور الكرام. لم يتوقف أحد عند أبعاده “الخصوصية” التي تمس دقائق شخصية المواطن العربي.. السعودي تحديداً.. والتي يهدف هذا المشروع “العلمي” لتفكيكها ودراستها.
ففي الخريف الماضي أعلنت (الشركة السعودية الحيوية للعلوم والتقنية) عن مشروعها لوضع أول خريطة تبين التركيبة الوراثية للإنسان العربي، لتضاف الدول العربية –والعِرق العربي- إلى الخريطة الجينية عالمياً. والعينة الأولى التي أُعلن عن قرب الانتهاء من تحديد رموزها الجينية وقتها كانت لمتطوع سعودي، أو “شخصية قبلية من السعودية” كما ذكرت الصحف على لسان منسق المشروع آنذاك.

وقبل أن نخوض ونتعمق في تأملاتنا للخبر وشجونه، تعالوا نفهم معاً الفوائد المرجوة من مثل هذه الدراسة التي رُصد لها مبلغ 500 مليون ريال وتستمر حتى العام 2010 بهدف جمع عينات من 100 متبرع من مختلف الدول العربية. فـ (الجينوم) أو (المجيّن) بالعربية هو مركب كيميائي موجود داخل نواة كل خلية من خلايا أجسامنا. هذا المركب تتوزع عناصره بترتيب مختلف من إنسان إلى آخر.. على نحو يشبه الشفرة أو (الكود) السري. كل واحد منا له كود خاص به.. نصفه موروث من الأب، والنصف الآخر موروث من الأم. الجين إذاً هو المسؤول عن صفاتنا الوراثية الفردية وكسلالة عرقية أيضاً. صفات مثل الصلع ولون الشعر وشكل الأنف.. وأعراض كالقابلية للسمنة أو الإصابة بمرض السكر. هناك خصائص أخرى لا يعرف العلماء تحديداً مدى تأثير العامل الوراثي عليها.. مثل قوة الذاكرة أو الحس الفكاهي عند أحدنا. على كل فعلم الوراثة هو بحر لا ساحل له. والشروع في تفكيك الخريطة الجينية للمواطن العربي سيسهم في دعم حركة البحث العلمي في البلاد العربية، والأهم من ذلك ارتقاؤه بمستوى الرعاية الصحية المقدمة لهذا المواطن العربي بعد الفهم الدقيق لمكوناته الحيوية.
لكن هذه الجملة الأخيرة أعلاه هي بالذات التي تقودنا إلى وقفتنا التأملية. وهي التي تواجهنا بفيض من التساؤلات والافتراضات والمخاوف أيضاً، والتي قد لا تمت للعلم الحديث ولا الطب بصلة، لكنها تهمنا أكثر من أي شيء آخر.. تهمنا نحن بالذات كون الجينات الأولى التي فك المشروع الواعد شفرتها هي جينات سعودية أصيلة.. أو تراها كذلك؟!
فالسعودي، المهووس بأصله وفصله ونقاوة عرقه.. ربما أكثر من أي مواطن “عربي” آخر عبر الخريطة العربية بأسرها، سيواجهه هذا المشروع بتحدٍ حقيقي. دعونا لا ننسى أن تحديد المجموعات الوراثية البشرية يمثل واحداً من أهم نتائج تفكيك الشفرة الوراثية لعرق ما. بمعنى أن فهم تفاصيل الخريطة الجينية للسلالة العربية –مثلاً- سيقود إلى “تعقب” تاريخ هذه السلالة، وإلى تحديد نقاط التقائها مع السلالات الأخرى، حتى الوصول إلى الأصول التي تحدرت منها أساساً ومواقعها. وهذا كله كلام وإن بدا مقبولاً من الكتب وثرثرة العلماء، إلا أنه يشكل صدمة لوعي رجل الشارع، والذي جُبل على أنه منتم لعرق مختار ومميز ومتناه في أصالته. وهذه كلها خرافات ضعضعتها منذ اللحظة الأولى التصريحات والتوقعات المبدئية لمشروعنا الطموح، والذي سيساعد على تكوين صورة أوضح للهجرات التاريخية للشعوب السامية التي تضم القبائل العربية وسلالات اليهود وشعوباً أفريقية إلى شبه الجزيرة العربية. فالمجموعة الوراثية التي يتحدر منها العرب –كما يقول العلماء- يُعتقد بأنها عاشت قبل 150 إلى 170 ألف سنة مضت في القارة الأفريقية (!!). هذه المجموعة تفرعت إلى أربع أقسام جاء من أحدها سكان الشرق الأوسط وشمال وشرق أفريقيا. المزيد من الفحوص الوراثية يشير إلى احتمال أن يرجع العرق العربي لمجموعات بشرية استوطنت الشرق الأوسط لمدة ترجع إلى 20 ألف عام بعد هجرتها من موقعها الأم. أين هي هذه المواقع الأم؟ الإجابة المحددة لا تعنينا. ما يعنينا هنا هو الجوهر. العرق العربي ليس نقياً ولا مميزاً بحال من الأحوال. وهذه جملة صحيحة مجازاً وصراحة كذلك.
من هو العربي الحقيقي؟ وما مدى اختلافه عن العربي “غير الأصيل”؟ هذه تساؤلات ستكشف إجاباتها بدقة نتائج مشروع (الجينوم العربي) والذي يمضي بعقول وأموال سعودية. صحيح أن الأبحاث قد خلصت لتفرد الجين العربي بـ 500 ألف علامة فارقة عن تلك المعروفة في الخريطة الجينية العالمية، لكن هذه ليست سوى نتائج تعكس احتمالات الإصابة بأمراض السمنة والقلب.. لا شيء مميز هنا. صحيح أن المشروع سيختار 100 متطوع، نصفهم من قبائل الجزيرة العربية ونصفهم الآخر من “دول مثل مصر وسورية وغيرها”.. كما جاء في الجرائد. لكن ما هي النتائج النهائية المتوقعة؟ وهل ستتزعزع المكانة الأسطورية لـ “العربي الأصيل” فيما لو ثبت أنه ينتمي في “الأصل” لأعراق أخرى.. لم يعد هذا العربي يُكن لها كثير تقدير؟!
يقال أن العربي عموماً منسوب إلى لغته. وأن العروبة لا علاقة لها بالدم ولا بالجينات الوراثية. قديماً قيل أنه “كل من تكلم بالعربية فهو عربي”. المتقدمون حاولوا أن يلتفوا على هذا الكلام فابتكروا قصة العرب (العاربة) و (المستعربة). الكثيرون عبر القرون أكدوا على تميز العربي “القح” وعلى مكانته المحفوظة سماوياً. هؤلاء لم يُلقوا بالاً إلى أن أهم وأعظم عربي أنجبته النساء.. وهو أهم وأعظم من عاش إطلاقاً.. أنه –صلى الله عليه وسلم- كان من ولد إسماعيل.. والذي جاء به أبوه من أرض غير عربية.. لتتبناه قبيلة عربية بوادٍ غير ذي زرع في طرف الجزيرة العربية.
تلك قصة نعرفها كلنا لكنها لم تزعزع شيئاً من خرافات العظمة والتميز في وعينا الكامن. هل تفلح يا ترى دراسات الخرائط الجينية وتحاليل سلاسل الحمض النووي؟