... تدوينة لـ:

إضافة لما سبق.. فهناك قوة خارقة أخرى ما تزال تراودني الأحلام بامتلاكها.. وهي القدرة على قراءة الأفكار. كما أحب لو تمكنت من التخاطر والتأثير على عقول الآخرين، ومن تحريك الأجسام عن بعد. في الواقع، فلست أمانع في الحصول على كامل “پاكج” الپاراسايكولوجي و التيليكانيسيس مع ضمان مدى الحياة لو أمكن!
لكن -مرة أخرى- فإن تخيّل حياة يسعنا فيها أن نقرأ أفكار بعضنا البعض، وأن نطلّع بكل أريحية على مشاعرنا الحقيقية وعلى ما تحويه عقولنا من خيالات وصور وعواطف.. وأن نتبادل كل تلك “المحتويات” بتلقائية بين العقول بدون حواجز لغوية ولا معوقات تعبيرية.. لو أمكننا أن نستحوذ على هذه القدرة التخاطرية المدهشة، فإن حياتنا ستصبح -ببساطة- جحيماً حقيقياً!
حين أقول بأني أحلم بامتلاك القدرة على التخاطر، فإني أقصد أني أريد أن أخترق خصوصيات عقول الآخرين، وفتح الصناديق السرية في أدمغتهم.. لأني أريد أن أعرف ماذا يعتقدون -فعلياً- بخصوصي. أريد أن أعرف إذا كان طلابي يعتبرونني حقاً مدرّساً “رهيباً”، أو أنهم فقط يتملقونني لأجل درجة. أريد أن أعرف إذا كانت هذه المرأة في الشارع تبتسم لي لمجرد أني جنتلمان أنيق مهذب.. أو أنها توظفني في خيالاتها الأكثر جموحاً. حين أحلم بالقدرة على اللعب بأفكار الآخرين، فإني في الواقع أريد أن أسيّر هذه الأفكار والقرارات لصالحي، أريد أن أجعل مديري “يقرر” أن يمنحنى علاوة أو إجازة مفتوحة، أريد أن “أجعله” يعلن أمام باقي زملائي أني الأفضل والأذكى في الفريق. وحين أتمنى أن يصبح مكنون أدمغتكم كتاباً مفتوحاً أمامي، فلأني أريد أن أعلم إجابة كل سؤال وأن أبدو بمظهر العارف الأكبر.. أن أتكلم وأتصرف تماماً كما يتوقع كل منكم وينتظر فأبدو أمامه كاملاً ومحبوباً وذكياً فوق الوصف – مَن منكم يتذكر فيلم What Women Want ؟ ومن نافلة القول أن قدرتي المفترضة على قراءة الأفكار ستضمن لي ألا أقع في فخ الغش أو الخديعة.. لأني سأعرف تماماً ما إذا كان محدثي ينطق بالحقيقة أو يستغفلني.. لأني سأكون على اطلاع كامل على خواطره الدفينة. الكذب سينتفي تماماً من قاموس حياتي.. وأقصد هنا كذب الآخرين علّي.. أما كذبي أنا على الناس فهذا موضوع آخر منفصل!
وهنا بالضبط تكمن الـ “فولة”. فروعة الخيال أعلاه مرهونة باعتباري أنا المستفيد الوحيد منه.. لأني أنا الوحيد الذي سيتمكن من هذه القدرة الخارقة. وفي حال وجود شريك لي في هذه المَلَكة.. فإن اللعبة ستفسد تماماً. ولو أن جهازاً لقراءة الأفكار قد أنتج وبيع على الناس فإنه، مثله مثل آلة الزمن إياها، سيكون فاشلاً تماماً وسيُسحب من الأسواق فوراً!
لماذا سيسحب قارئ الأفكار الموعود من الأسواق؟ لأن معدلات الوفيات والإصابات الناجمة عن اعتداء الناس على بعضهم البعض ستزداد على نحو خطير. الناس ستكره بعضها وستقتل بعضها.. أو ستنتحر.. لأنها قد عرفت الحقيقة. والحقيقة صعبة ورهيبة. نحن في الواقع نعيش لنهرب منها.. بشكل أو بآخر.
لو أن رئيسك في العمل لبس جهاز قراءة الأفكار ومضى به للدوام فماذا سيسمع في رأسك ورؤوس باقي الموظفين؟ إنه سيسمع خواطركم الحقيقية. حين يسألك لماذا تأخرت هذا الصباح فإنك غالباً ستقول “عطلتني زحمة الشوارع طال عمرك”.. لكن الجواب الحقيقي في عقلك هو: “أردت أن استمتع بساعة نوم قبل الاصطباح بوجهك أيها البغل”.. أو: “ولماذا تريدني أن آتي ونحن لا نفعل شيئاً أصلاً أيها التافه”.. أو غير ذلك من الإجابات الواقعية التي لا نتلفظ بها أبداً لأننا “مهذبون”. هل نحن فعلاً مهذبون؟
حين تسألك زوجتك إن كنت تراها جميلة؟ أو إن كنت سعيداً معها؟ فإنك قد تؤكد ذلك في حماس.. وقد تهمهم بكلمات مبهمة وتنشغل أكثر في الجريدة. لكن ماذا لو أنها امتلكت القدرة على قراءة أفكارك الحقيقية: أنك مقتنع بأنها قبيحة.. أو أنك تعتقد أنها حالة ميئوس منها.. أو أنك تورطت معها لكن لا بأس لأنك تعرف نساء أجمل وأكثر إثارة وتخونها معهن!! حين تقابل شخصاً ما في مناسبة عامة ويهتف باسمك وترد عليه التحية في حماس و “تصبر” على ثرثرته المملة وابتسامة عريضة على وجهك وأنت لا تمتلك أدنى فكرة عمن يكون.. حين تصفق بحماس لمحاضر يعتقد أنه فلتة زمانه وأنت في الأصل تصفق فرحاً لأن المحاضرة انتهت وتستطيع الذهاب للحمام أخيراً.. حين تؤكد لصديقك أن القصة أو المقالة التي كتبها رائعة فيما أنت مقتنع أنها محض نفاية.. وحين تقول لشقيقتك أن مولودها الجديد هو “قمر” مع أنك -في قرارة نفسك- تشك أنك سبق وشاهدت شبيهاً له في حلقة (عالم الحيوان).. وحين يأمرك والدك بترك ما بيدك وتنفيذ مهمة ما فتفعل وأنت.. صامت. في كل هذه المواقف وسواها تخيل لو أن الطرف الآخر كان يرتدي قارئ الأفكار وأنه قد ضبط موجاته على تردد عقلك أنت بالذات! ما الذي سيسمعه الناس منك؟ وما معنى ذلك؟ هل أنت إنسان بذيء وسيء لهذه الدرجة؟ لاحظوا أني في كل الأمثلة أعلاه، وآلاف سواها يسعكم تخيلها، لم افترض تعمد الكذب ولا ممارسة الشر.. هذه كلها مواقف تقتضي أصول “اللياقة” و “الأخلاق” أن “نجامل” بعضنا فيها!!
بل إننا لسنا بحاجة لافتراض وجود نسخ عديدة لجهاز قارئ الأفكار اللعين هذا. فلنعد للخيال الأول الجميل ونفترض مجدداً أن هناك قارئ أفكار وحيد فقط بحوزتك أنت. هل يجعل هذا حياتك وردية؟ أبداً! من قال أن الناس سيكونون أرأف بك؟
ستركّب الجهاز وتسأل زوجتك إن كانت “سعيدة” معك.. ماذا ستسمع؟ ستسأل أصدقاءك المقربين عن رأيهم فيك.. في أخلاقك وتصميم منزلك وجودة طعامك وأناقتك -المفترضة- وأسوبك في لعب البلوت؛ تسأل أستاذك بالجامعة عن حقيقة رأيه بمستواك الدراسي؛ وتسأل رئيسك بالعمل عن مدى تقديره لك؛ تسأل السائق الذي يشتغل عندك عن حقيقة مشاعره تجاهك وعما كان سيفعله بك لو أن أدواركما تبدلت؟
هل يعنيك حقاً أن تعرف رأي الناس “الحقيقي” بك؟ أليس هذا هو معنى “الصدق”؟ أم أن الخلق الحسن يحتم علينا أن نكذب.. أو بلغة أكثر تهذيباً: أن نداهن ونناور ونلفق ونعطي إجابات ملتوية؟ ألم يعلمونا بالمدرسة أنه ليس هناك كذب أبيض وآخر كحلي.. وأن ألوان الكذب كلها واحدة؟
إذاً فالمزيد من التأمل في الاحتمالات سيقودنا إلى تقدير “نعمة” الكذب.. وإلى استيعاب كم نحن كذابون ومنافقون ومخادعون لأقصى درجة.. وإلى أن أفدحنا كذباً هو من ينفي هذه التهم عن نفسه! مع ذلك.. فلو أني امتلكت جهازاً لقراءة الأفكار فإني لن أمتلك الجرأة على تحطيمه.. بالرغم من اقتناعي بسوءه وبلعنته. سوف أتركه للحظات معينة أعرف أني سأعيشها.. لحظات تصبح الحقيقة بها مهما كانت مرة أو مؤلمة مهمة وحتمية الكشف. أما ما سوى ذلك فسأستمتع بالحياة كما هي: ملأى بالكذب والتدليس والمجاملة القميئة التي تجعلنا نطيقها معاً ونصبر على بعضنا بدون أن يكره الواحد منا الآخر بمجرد النظر لوجهه.. الذي ليس سوى قناعاً يخفي ذاته الحقيقية!