وجود الفقر في بلادنا مدهش. لكن الأكثر إثارة للدهشة هو التشنج الذي يتملّك البعض حين يُفتح هذا الموضوع. غدا الفقر عندنا مثل الإلحاد والشذوذ الجنسي. الكل يرفض وجوده ويقسم لك بأنّا براء منه. الكل يصر على أن يكنس آثاره تحت السجادة ويغض الطرف عن منظره الكئيب. مع أن الفقر ليس تهمة ولا جريمة لمن تلبّس به! إنه وصمة عار في جبين المجتمع كله بمؤسساته الحكومية والمدنية. وربما لهذا السبب بالذات يتهرب كل واحد منه ويرفض وجوده. الإنكار هو آلية دفاع في نهاية الأمر.
اليوم تحل الذكرى الأولى للكارثة الثانية. وهي تأتي بعد الذكرى الثانية للكارثة الأولى أيضاً. وهذا التبذل في سرد الكوارث وذكرياتها يكفي للتعبير عن اليأس والمرارة التي تغمر نفوسنا. صرنا نعد الكوارث ونؤرخ بها كما كان الأولون يؤرخون بعام الرمادة، وسنة السخونة!
إن الكلام الكثير غير مفيد وهو مجلَبة للملل. كما وأن كلاماً كبيراً قيل على أعلى المستويات منذ سنتين. ونحن إذ نستحضر هذه الذكرى اليوم فإننا نود التأكيد على عدة نقاط:
شد انتباهي ما تناقلته مصادر إخبارية على الإنترنت عن إتجاه مجموعة من السعوديين للاستثمار في هوليوود خلال العامين المنصرمين. ولعل دخول المستثمرين (غير الأميركيين) إلى هوليوود يُشير إلى عمق الركود الاقتصادي الأميركي، الأمر الذي جعل من الاستثمارات السينمائية الأميركية تنحصر في تصنيفات مضمونة تسويقياً مثل الخيال العلمي وقصص مجلات (الكوميكس). في الوقت الذي انتعشت فيه الأفلام المستقلة، وأظهرت قوة حضور في المهرجانات العالمية، بل تكاد أن تأكل الأخضر واليابس في ظل وجود فضاء إنترنتي مجاني يحتضن هذه الأعمال. وقد استفادت المنطقة العربية من أجواء هذا التغير الحاصل، فنشأت مهرجانات عربية للسينما ساعدت على استخراج مواهب محليّة على الرغم من اقتصار معظمها تحت مظلة (الأفلام القصيرة). وقد فتح ذلك المجال بأن يُقام مهرجان سينمائي لأول مرة في السعودية (مهرجان جدة للعروض المرئية) لثلاث دورات متتالية إلى أن أوقف في يوليو ٢٠٠٩.
مع أنهما حقاً لا يمتزجان.. لكننا كسرنا القاعدة! أو أن ظروف “التنمية” أجبرتنا على ذلك. لكن المزيج الذي خلقناه رهيب ومهلك.. ويتهدد حياتنا كلها. بل هو أشد خطراً من كل بعابع التغريب والاختلاط وكل الفزّاعات التي أوجدناها لنخيف بعضنا بها.
فزيت النفط، الذي هو في الأصل عماد حياتنا كما نعرفها وشريان نفوذنا في العالم، هو مثل “العدّاد” الذي يوشك أن يعلن النهاية. إنه كالقلب.. متى ما توقف ضخّه مات الجسد. وشجون النفط لا تنتهي. فالعالم الصناعي لا يفتأ يهددنا، منذ أيام كارتر، بالاستغناء عن النفط. وهذا تهديد أقرب للأضحوكة. سيستمر اعتماد العالم على النفط لخمسين سنة قادمة وفق أشد الدراسات تشاؤماً. ثمة مكامن مهولة للنفط في آسيا الوسطى. ومؤخراً قفزت كندا لمراتب متقدمة في قائمة أصحاب الاحتياطي. لكن الهاجس المرعب تمثله الخاطرة التالية: هل يستمر نفطنا نحن خمسين سنة؟ وعلى نفس الوتيرة وبنفس السعر؟
عبد الله محمد، كوميدي غير متفرغ، و طالب دراسات عُليا في كندا. مؤلف مسلسل (شراريب) على اليوتوب. هذه هي تدوينته الأولى هنا.
في البداية أريد أن أوضح نقطة مهمة للقارئ بخصوص هذا الموضوع، اكتشفت أن هذا المبحث عميق ويحتاج إلى صفحات كثيرة لرصد احتمالاته وتفاصيله، بل قد يكون مادة دسمة لرسالة ماجستير في علم الاجتماع أو غيره. المعطيات متناثرة وبعضها يفضّل الانطواء بلا أسباب واضحة، لذلك أردت أن أكون أكثر وضوحاً من غيري بالإشارة إلى أن هذا المقال لن يحصر مفهوم الكوميديا ومتغيراتها بشكل كامل، بل سيستعرض ما استطعتُ تجميعه من هنا وهناك.
نشر أمين معلوف روايته (الحروب الصليبية كما رآها العرب) عام ١٩٨٣، فهزّ المشهد العربي قبل الغربي. وأيقظ جيلاً من المبدعين العرب نسيّ أن التاريخ هو مَعيُن الحكايَا الأول. وحين أتحفَنا بـ (ليون الأفريقي) ثم بـ (سمرقند) بعد ذلك، رفرف بيرق رواية التاريخ عالياً. كان معلوف كمن بعثَ الحياة في أوصال جنس أدبي أوشك على الموت.. أو أُريد له أن يموت.
وتكمن المفارقة في أن العربي معتالٌ بالطبيعة على تاريخه. فهو مُصرّ على الالتصاق بأمجاد الأولين. قيمته الكبرى في نسَبه، ولا يفتأ يجترّ لك مفاخر البائدين وسِيَر السابقين.. ولإن سألته “وما أنت؟” لما حارَ جواباً.. لكن هذا شأنٌ آخر.
“أنا.. تقريباً”: شخصية وهمية لا تمتّ بصلة للسيد م. غ. الذي أرجو منه ألا يتعرّف على نفسه هنا
الناس في تويتر سواسية.. لكن بعضهم –كما قال أورويل- أكثر سواسية من غيرهم.. فأيّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب –إن كان صاحب فولورز- يملك أن يقضي على رئيسه قضاء مبرماً باصطياد هفوة من هفواته. وأي مبارزة بين هذين الخصمين لن تكون مبارزة حقاً، بل مجرد نوع من مصارعة الثيران، يؤدي فيها الأشعث دور المصارع الرشيق، الماتادور، صاحب السيف القاتل، ويؤدي فيها المدير دور الثور الأخرق، الذي يبدأ بالهجوم دائماً، لكي يموت بعد ذلك أمام جمهور يصفق بحرارة.. ويستدعي المزيد من الفولورز..
هذه الصورة البطولية للماتادور التويتري.. هي حلم صديقي “أنا.. تقريباً”..
المتحرّرٌ من أغلال الإيتيكيت.. ليس ذلك الجنتلمان الذي أعتز بمعرفته في الواقع.. بل هو أكثر حزماً في عالمه الافتراضي.. لا يكبح جماحه تصنُّع الهيبة.. ميّال إلى الشق المظلم (الدارك سايد).. وبالطبع أكثر جاذبية.. و ذو غموضٍ فاتن.. نقيض الحذر.. قادر على الإفلات من قبضة الحجج الخائبة.. ومخاتلة المشي بين الناس بلا وجل..
“أنا.. تقريباً” لا يعتريه وهن الخجل..لا يحبطه التسفيه.. يندفع نحو ربط العلاقات بالصداقات بشكل يستحيل أن يكون له مثيل في عالم الواقع..
أقل ما يقال عن هذه الصورة أنها مرعبة، وتبعث القشعريرة في الأوصال!
المشهد في وزارة الداخلية العراقية، خلال مؤتمر صحفي عُقد في نوفمبر الماضي لعرض بعض المقبوض عليهم بتهم تنفيذ عمليات إرهابية.
الصبي على اليسار، والذي يَحول بينه وبين الانقضاض على غريمه رجلان اثنان، هو ابن أحد قتلى الإرهاب. أما الشخص في الزي البرتقالي فهو المتهم بقتل والد الصبي. وبين الاثنين، في هذا الكادر العصي على الجمود، يتلخص تاريخ بلد.. وأكثر من قصة حياة.. وتُسرد ألف حكاية وألف حوار.
بعد توجيه عبارات الشكر والعرفان لمقام وزارة الثقافة والإعلام على رعايتها لملتقى المثقفين الثاني، فلا يسعنا أن نتجاهل المفارقة: فالجهة الحكومية حين تفرض رعايتها على المثقف، فإنها تجرّده بشكل وبآخر من استقلاليته. إنها تضعه في مقام الطالب لرضاها والسابح في فلكها، حتى وإن ملأ الدنيا ضجيجاً واحتجاجاً على سياساتها وقراراتها، لا يغير ذلك من الأمر شيئاً. واقع الحال أن “المؤسسة الثقافية” عندنا هي امتداد للجسد البيروقراطي. وهذه هي العلة الأولى التي يجدر بالوزارة أن تعالجها.
هل تلغي وزارة الثقافة نفسها.. وهي التي لم تتحرر بعد من ارتباطها السيامي بالإعلام؟ ليس بالضرورة. لكن الثقافة كي تزدهر في هذا البلد، كي يصير للمثقفين صوت وتأثير، وقبل ذلك مناخ تتفتح فيه إبداعاتهم، فإنهم بحاجة لأن يمارسوا الحرية والاستقلالية بدون عين الحكومة ولا رقابتها، وبدون أن تصير الجهة الحكومية هي الخصم، وفق التعريف في رأس المقال، وهي الحَكَم أيضاً. الأسبوع الماضي أمر وزير الثقافة والإعلام بإعادة إنتخابات نادي الشرقية الأدبي. لا تملك وأنت تبحث في تفاصيل هذا الخبر إلا أن تتحسر على أيام التعيين.. ثم تتحسر على الواقع الثقافي!
يوماً ما، سيظهر مخرج إندونيسي عظيم، ربما تترشح أفلامه للأوسكار أو للسعفة الذهبية. ستظهر كاتبة سريلانكية فذة، أو روائية فلبينية ستحصل على جائزة البوكر الحقيقية. وستكون محاور إبداعات هؤلاء عن حياتنا نحن في السعودية.
هؤلاء وسواهم كثر، ستكون “الحالة السعودية” هي وقود تجربتهم الفنيّة. وسيخوضونها من باب استكشاف الذات، لأنهم يعتبرون أنفسهم جزءاً أكيداً من هذه الحالة. إنهم سيسردون خبرات حياتهم معنا، داخل بيوتنا وبين مفاصل أسَرنا.. بل كأجزاء راسخة من أُسرنا. ولن يفعلوا ذلك لأنهم “مُغرضون” أو مدفوعون من قوى خارجية شريرة، ولا لأنهم تعلموا منا أن الأدب والفن فضائحيان. لكنهم سيقلّبون الدفاتر وينبشون الذكريات ليوثقوا تواريخهم هم الخاصة.. المتقاطعة بفجاجة وكاريكاتورية مع تاريخنا نحن الخصوصي. وفي سبيل ذلك فسيغوصون في تفاصيل المستور الذي نجتهد لنخبئه وراء الأسوار العالية وحواجز الزنك ليقدموا قراءات واقعية لنا قد لا نجرؤ نحن على مقاربتها. وهذا ليس تهديداً.. إنه مجرد توقّع بدهي مبني على فهم التاريخ، ومبني على مبادئ علم الإحصاء كذلك.
استكمالاً للحديث حول لعبة المزمار؛ تاريخها، حواديتها، أساطيرها و خرافاتها. أحاول في هذا الجزء استنطاق الموروث الثقافي و الغوص بين ثناياه و رصد بعض التحولات و التراكيب الاجتماعية لسكان الحجاز من خلال عناصر اللعبة.
“مبروك الغالي..يبغوا يبيعونووو” هذا الزومال تغنت به صفوف المواليد قديما للتذكير بعصر النخاسة و تجارة الرق و المعاناة البشرية التي لاقوها جراء هذه التجارة اللا إنسانية. خلال قراءاتي في هذا الشأن يبرز كتاب “الحج قبل مائة عام: الرحلة السرية للضابط الروسي عبدالعزيز دولتشين إلى مكة المكرمة ١٨٩٨-١٨٩٩” يرصد في أحد أجزائه مشاهداته و وصفه لسوق النخاسة و تجارة الرق في الحجاز. يحكي كذلك عن مساهمة العرب في هذه التجارة البغيضة والسفن التي كانت ترسل من عُمان للسواحل الأفريقية حيث تتم عملية خطف البشر ومن ثم بيعهم. وهذا الزومال بنغمته الحزينة وإيقاعه البطيء يحكي قصة المعاناة بكلمات بسيطة ذات مضامين عميقة. والزومال باعتباره إنتاج المزمار الأدبي يحوي بين ثناياه العديد من التفاصيل، ودراسة متونه وتحليلها عملية مهمة لاستقراء بعض التفاصيل الاجتماعية والتاريخية التي يحملها بين ثناياه. كما أن دراسته وتحليله من الناحية الفنية سيثري كثيرا عملية توثيق الحجاز ثقافياً.
فكأن هذا الوطن ليس أكثر من رابطة مشجعين، أو كأنه نقابة عمّال -لو كانت به ثمة واحدة- ليس لمنسوبيها إلا أن يرددوا ذات الأهزوجة، ويرتدوا نفس (اليونيفورم)، ومن يفعل غير ذلك يعتبر متمرداً وناشزاً عن المجموعة. يصرّ البعض على أن واجب الانتماء يقتضي التماهي، ونسوا أن الأوطان العظمى موائل للتنوع، وأن تجارب الاستنساخ نجحت مع النعاج والفئران، لكنها استعصت مع بني البشر.
تنبيه: قد تحرق عليك هذه القراءة أحداث الرواية تماماً.. وقد لا تفعل!
أحسن ما في رواية (ابن طرّاق) هو اللغة.. فنيّات السرد. بل أني ومع البدايات لم أتمالك نفسي وقلت أن الرواية تستحضر أسلوب عبد الرحمن منيف. وهذا كلام كبير وقد أُسأل عنه لاحقاً. الشاهد أن الرواية لغتها جاذبة جداً وفيها أحداث حقيقية. هي بالتالي تخالف السائد المحلي المغرق عموماً في الرمزية الشعرية أو في السردية النثرية.
إذا اتفقنا على أن لغة الرواية ممتعة وتقنيات سردها بديعة، فإننا نستطيع أن نقول بأن المؤلفَين قد نجحا في اجتياز أخطر تحدٍ يمكن أن يجابههما، لاسيما والرواية لها أبوان شرعيان، وكُتبت بقلمين اثنين. لتكون تلك هي “الحركة” التي سوقت لها قبل أن نعرف ما بين دفتي الغلاف.. لكن المفاجأة السعيدة أن الرواية حافلة بالحركات الُأخرى. وأعجبتني جداً انسيابية الحكي وتنقله من تكنيك الشخص الأول للثاني.. والطريقة التي أقحم الرواة بها أنفسهم بين الشخوص كأبطال حقيقيين. والعالم متكامل الملامح الذي صنعوه. هذه رواية مكتوبة بمزاج جيد وبنفَس جيّد، وتخاطبك -كقاري- بذكاء لتلعب معك ألعاباً مسلية جداً بدون أن تفقدك خيط الأحداث.. بالرغم من أنها استغرقت ١٤ شهراً فقط لتتخلق وتبصر النور.. لكن لنتذكر بأن سماريين اثنين سينجزان حتماً بأسرع من سماري واحد!
الانتساب للإسلام يمثل أقصر الطرق لكسب ثقة الناخب. هكذا تؤكد الأحداث من مصر إلى المغرب. لكن أولويات الأحزاب الإسلامية المتصدرة تشهد تبدلاً لافتاً يدفعنا لإعادة النظر في مفهوم الحكومة الإسلامية وفق المستجدات.
فراشد الغنوشي رئيس حزب النهضة التونسي، أعلن عقب الانتخابات التاريخية التي شهدتها بلاده بأن حكومته لن تمنع لبس الأوروبيات لـ “المايوه” على الشواطيء التونسية. وعبد الإله بن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية سابقاً ورئيس الوزراء المغربي حالياً، صرّح هو الآخر بأنه لن يعلن حرب “الخمر والحجاب” على المجتمع. بل إن مواقع الأخبار نقلت عنه قوله: “نحن في المغرب لن نمنع شيئاً إلا كما يتيحه القانون”. وبقليل من البحث فسنعثر على تصريحات مماثلة لـ “إسلاميين” من تركيا وماليزيا أيضاً.
سيسأل سائل: كيف تصفُ هذه الأحزاب نفسها بأنها إسلامية، في حين يتكلم مسؤولوها بهذه اللغة؟ كيف يرفع حزبٌ ما شعار الإسلام، ثم ينخرط في المنظومة المدنية، متبنياً أجندة لا تجعله يختلف عن أي حزب علماني؟