أورد بوركهارت في مذكراته، أنه لما استعرت الحرب بين محمد علي وسعود الكبير بدايات القرن التاسع عشر، سارع شيخ تجّار جدة في حينها، واسمه (العربي الجيلاني) لنقل حريمه ومتاعه إلى قصره الشتوي الذي بمصوع.
مصوع هذه تقع في الضفة المقابلة للبحر الأحمر.. على الساحل الإريتري. وقد كانت هي وسواكن وعدن والمخا والقصيّر وينبع تشكل مع جدة رؤوس شبكة (بحر-أحمرية) ربطت تجارة الهند بمصر وجنوب آسيا بأفريقيا وأوروبا المتوسطية.. فخلقت ما يشبه الدولة الافتراضية التي تقاسمت الأعراق والثقافات ويّا الثروة قبل أن تفتتها ظروف الحداثة لاحقاً.
الخلاصة أن ضفتي البحر الأحمر عالمٌ واحد شطره الماء. وتلك الحقيقة المنسية هي ما يبني عليها حجي جابر في روايته البديعة (سمراويت)، التي يمكن أن نصنفها أيضاً كسيرة ذاتية لمؤلفها ولجيله من الإريتريين.. فتبدو في أجزاء منها مثقلة بالتاريخ بدون أن يذهب ذلك بجمال السرد أو يقطع خيط الأحداث.
سمراويت رواية عن إريتريا كتبها إريتري مغترب.. وهي مع ذلك يجب أن تُقرأ في السعودية. لأنها تستمد من جدة نصف روحها ونصف قصتها. وحجي جابر، مثلما كتب قبله معتز قطينة ومثلما سيكتب آخرون، يستحضر ملامح حياة موازية هي جزء من التركيبة التي تشكل السعودية اليوم وشكّلت جدة منذ الأزل.
أكره هذا السؤال.. لأنه غير منطقي بدءاً. ولأن إجابته مستحيلة.
أنا يمكنني أن أخبرك ماذا “أتمنى” أن أكون بعد خمس سنوات: أفضل وأسعد وأكبر وأوفر ثراء وصحة. هل يوجد إنسان يستطيع أن يتحكم في عناصر الحياة السعيدة هذه؟ كيف أحدد لك أين سأكون بعد عدة سنوات وأنا لا أعرف أصلاً أين ستنتهي هذه المقابلة؟
خلال خمس سنوات ستتغير خطتي للحياة خمسين مليون مرة. ستتفتح أمامي كل يوم.. كل يوم.. خيارات جديدة للمستقبل وسأكون مغفلاً لو لم أعد حساباتي بسببها يومياً. سأعرف أناساً جدداً وستظهر تقنيات جديدة ووظائف جديدة وأحلام جديدة. وأنت تريدني أن أحدد من الآن أين سأكون بعد خمس سنوات؟ أن أتجمد في هذه اللحظة وأعطيك جواباً ملزماً ستحاسبني عليه بعد خمس سنوات؟
أكره هذا السؤال لأنه يدفعني لأن أكذب عليك أو أن أستعبطك. أن أعطيك إجابات مبتذلة من قبيل: “سأكون في مكانك الذي تجلس عليه الآن”.. أو “أن أمتلك هذه الشركة”. وهذه يا سيدي إجابات خَدَمية لأقصى حد! فالحياة أكبر من شركتك وأكبر من مقعدك. وأنا أريد أن أعيشها وأستكشفها بقدر ما أستطيع.
لو أعطيتك إجابة محددة الآن.. لـ “أين أرى نفسي بعد خمس سنين”.. ولم تتحقق هذه الرؤية.. وهذا هو الاحتمال الساحق بالنظر لتاريخ الجنس البشري على هذه الأرض.. إذا لم تتحقق رؤيتي الخمسية المذكورة، فإن ذلك سيعني واحداً من أمرين: إما أني أحمق.. أو أني فاشل. وأنا لن أضع نفسي في أي من الخانتين.
لا يمكنني تجاوز كونها أول رواية أقرؤها عبر كتاب إلكتروني حقيقي، وهي تجربة تضاهي متعة المجازفة التي قام بها أشرف فقيه بتأجيل الطبعة الورقية لروايته «المخوزق» (صدرت لاحقاً عن دار أثر) والاكتفاء بنسختها الإلكترونية!
تمثل الرواية – في المشهد الروائي السعودي- حلقة في سلسلة الأعمال الجديدة، تنأى عن الصورة التقليدية التي عرفت في الأعوام الفائتة، وتنضم إلى الأعمال التي اختارت مساحة بِكراً لم يتم تناولها، مثل «الحسين» لعلي الشدوي، و«فتنة جدة» لمقبول العلوي، مما يشي بأن الروائيين يبحثون الآن عن أعمال لا تقدم نفسها لمجرد الحضور، بقدر ما تخوض رهاناً حقيقياً على الأفكار والمواضيع، ومحاولات تقديم أعمال نوعية تهتم بالقيمة على حساب الظهور، وبالفكرة على حساب اللغة المستهلكة، وتحتفي بالموضوع على حساب التعطش للشهرة والانتشار التجاري السلبي.
لم تكد راية السلطان محمد الفاتح ترفرف على الأراضي شمال الدانوب حتى عادت القلاقل تعصف بها. بدأ الأمر حين وُجد والي ولاشيا العثماني، رادو بيك، منهوش الحنجرة في حمّام قصره. تلت ذلك سلسلة وقائع مرعبة تستعصي على الوصف.
تهامس الأهالي باسم كونت ولاشيا السابق: ڤلاد دراكولا، الشهير بالمُخوزِق، والذي لم يدخر وسعاً لدفع المدّ العثماني عن عرشه، إلى أن قُتل سنة ٨٨١ هـ.
“بُعث دراكولامن الجحيم.. تقمّص الشيطان روحه ورجع لينتقم من الأتراك”.
هكذا انتشرت الخرافة، لترسخها المزيد من الجثث مثقوبة الأعناق. وحين بدأت تلك الجثث تغادر قبورها لتلتحق بجيش سيدها الشيطاني، لاحت في أفق البلقان ثورة محركها الرعب الأعمى، وخرافات العوالم السفلية.
عندها، قرر السلطان محمدٌ أن يرسل تابعه الموهوبَ، أورهان إفندي، ليكشف حقيقة الخرافة.. ويُخمد أسطورة المُخوزِق.
——
* برجاء الاتصال بفرع المكتبة للتأكد من توفر الرواية ضمن المبيعات.
ظهرت فكرة هذه التدوينة بعدما أرسل لي أشرف يستفسر عن مقالة تذكر أن الولايات المتحدة ستتفوق على المملكة في تصدير النفط بحلول عام ٢٠٢٠؟ فهل هذه معلومة صحيحة؟ وما هي تبعاتها إن كانت كذلك؟
سيغطي هذا الجزء الثاني والأخير إذاً محورين أساسيين:
شرح الفكرة الواردة أعلاه بخصوص تراجع السعودية في ترتيب الدول المنتجة
شرح تأثير ارتفاع الاستهلاك المحلي للوقود على قدرتنا التصديرية
ياسر وأشرف ابنا عمّ. لكن ياسر يفهم في شؤون النفط بحكم عمله في مجال الطاقة. ولأن أشرف كثيراً ما يزعجه بالأسئلة الساذجة، فقد قرر ياسر أن يستقطع من وقته الثمين كطالب دكتوراه في جامعة Rice ليكتب هذه التدوينة.
إذا كنت تتابع الصحف فلعلك شعرت بالقلق مع الضجة التي أثارتها تقارير (تشاتام هاوس) و (سيتي گروپ) التي تذكر بأن المملكة ستتحول لدولة مستوردة للنفط قريباً. بل لعلك فكرت في الهجرة حين قرأت لخبير أميركي اسمه (مات سيمُنز) يؤكد بأن آبار السعودية قد بلغت ذروة إنتاجها، وفي طريقها إلى النضوب السريع.
فهل تلك المزاعم صحيحة؟ وإن لم تكن كذلك، فعلى أي أساس يتم نشرها؟ بالمختصر لعلك تريد أن تعرف: متى سينفد نفط السعودية؟
الجواب المقنع يتطلب مقدمة طويلة نوعاً ما لشرح الكيفية التي تُصنف بها الاحتياطات النفطية في العالم.
في البدء يجب أن نفرق بين مفهومين:
المخزون الكلّي: وتمثله كمية النفط الكليّة التي يُعتقد أنها في باطن الأرض.
الاحتياطي: أو الكمية التي نظن أن باستطاعتنا استخراجها إن كانت الظروف التقنية والاقتصادية مواتية. وهي تقسم حسب الاحتمالات من الأصعب استخراجاً (أو بعيد الاحتمال)، إلى الأسهل ذي احتمال الاستخراج العالي وهذه بدورها تقسم إلى احتياطي مثبت (احتمال استخراجه يفوق ٩٠٪)، و مرجّح، و محتمل، واحتياطي مجهول لكن يُعرف بقرائن. علاوة على ذلك هناك النفط غير التقليدي مثل النفط الرملي في كندا ونفط السجّيل الصخري في أميركا وغيرها.
قام الأستاذ أحمد العمران مشكوراً بترجمة التدوينة للغة الإنگليزية ونشرها بموقع Riyadh Bureau
كالعادة أمسكنا بخناقات بعضنا على تويتر لنناقش قضية هدم الرواق العبّاسي (العثماني) في الحرم المكي. فريق كان يتباكى على الأثر التاريخي المفقود، وفريق يرى أن التيسير على الحجيج وتوسيع المطاف أولى من حفظ الحجارة (كنت أنا مع الفريق الأول).
عموماً فقد تأخر الوقت لإنقاذ الرواق، لكن مهما كانت وجهة نظرك فيهمني أن تعرف بأن المسألة أكبر من تاريخ الحرم المعماري وأكبر من شرف خدمة الحجيج. المسألة متعلقة بتاريخ الأمة، بأجيال تُقطع علاقتها ببيئتها، وبمخطط تدميري لا نفتأ نعايش فصوله في الحجاز منذ عقود. وإذا ظننتم بأني أبالغ فأرجو أن تعلقوا بعد أن تقرأوا كامل التدوينة.
لقد هبّ الكثيرون ليذكرّونا بأن توسعة الحرمين هي سنّة بدأها الفاروق عمر، وبأنه لا سبيل للتوسعة إلا عبر الهدم، بالرغم مما يقال بأن الازدحام الحالي في المطاف هو مشكلة متعلقة بعلم إدارة الحشود ولن تحلها إزالة الرواق، بل إن توسيع المطاف سيفاقم الإشكالية في الواقع!
هناك فريق آخر لا يرى في أي دعوة لحفظ الآثار النبوية والمتأخرة في الحرمين إلا دروشة وشركيات وتعلقاً بإرث التصوف وخزعبلاته. وهؤلاء لا أملك إلا أن أدعو لهم بأن يسلل الله سخيمة قلوبهم.
إن كثيراً من سكان الحجاز مقتنعون بأن في الأمر مؤامرة لطمس الهوية الأصيلة للمنطقة والتي بقيت شواهدها حية إلى ما قبل ٣٠ أو ٤٠ عاماً خلت وحسب، قبل أن تنشط البلدوزرات لتهدم وتنسف تلك الآثار بشكل مريع تحت ذرائع شتى: الحفاظ على صفاء العقيدة، التسهيل على الحجاج والمعتمرين، إنشاء مخططات سكنية ومشاريع تطويرية. وهي كلها ذرائع لا قيمة لها على أرض الواقع بل وتبدو مُختلقة ومزيفة على ضوء البدائل الكثيرة التي كانت متاحة وتم تجاهلها كلها على مر السنين لصالح الخيار الجذري. وللتدليل على ما أقول فسأستعرض معكم مآسي بعض الشواهد الإسلامية بالمدينة المنورة والتي كانت قائمة حتى وقت قريب ثم “اختفت” من خارطة الوجود بفعل فاعل متعمد وبدون أي مبرر مفهوم:
هل كان ذلك محض استعراض ذكوري فجّ؟ مجرد تجسيد لقيم الثقافة الاستهلاكية؟ درس غير مسبوق في “فن” التسويق والعلاقات العامة؟ لقد أنفقت (ريد بُل) حوالي ٣٠ مليون دولار على المغامرة، لكن كم كسبت بحسب واقع سوق الدعاية؟
على الطرف الآخر، سيشير البعض للمكتسبات “العلمية” للتجربة. فهذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يلامس فيها الإنسان حاجز الصوت بدون أن يكون داخل أية مركبة. هذا إذا لم نعتبر الزيّ الفضائي الذي ارتداه فيليكس وصممه له فريق من ٥٠ مهندساً من حول العالم بتكلفة ٢٠٠ ألف دولار، أقول إذا لم نعتبر ذلك الزيّ بمثابة مركبة طيران من نوع جديد. وهنا لابد أن يعتبر البعض هذا نوعاً آخر من “السفه” غير المسبوق.. ٢٠٠ ألف لأجل بدلة نطّ؟ و ٣٠ مليون لأجل قفزة استغرقت أقل من عشر دقائق؟ ألم يكن من الأَولى أن يُدفع هذا المبلغ لأجل بناء مدارس أو مستشفيات أو لإطعام ملايين الجوعى حول العالم؟
أياً تكن وجهة نظرك، فالمسألة ليست بذاك القدر من التسطيح. القضية تتجاوز مجرد كونها “قفزة” برعاية شركة مشاريب، بل هي في صميم غريزة الإنسان التي طالما دفعته للمغامرة والاستكشاف. الغريزة التي ندين لها بحضارتنا المادية والفكرية كذلك.. والتي أزعم أنها، أيضاً، الغريزة المحركة لمبدأ “عمارة الأرض”.
يسرني أن أقدم لكم رواية (المُخوزِق)، الصادرة عن سيبويه: الجليس الرقمي، بصيغة QDP المخصصة لأجهزة الآيفون والآيپاد.
تلامس هذه الرواية أطراف حُلمين طالما راودانني؛ الأول بأن أخوض غمار الرواية التاريخية بكل احتمالاتها التخيّلية، والحلم الثاني بأن استكشف آفاق النشر الإلكتروني بعيداً عن سطوة الورق.
أتوجّه بجزيل الشكر لكل من قدّم لي يد العون خلال مراحل إنجاز هذا العمل، وعلى رأسهم فريق سيبويه الرائع. كما أخصّ الأخوة في ASADesign لأدائهم البديع في تصميم الغلاف والإخراج الفنّي. أما الخُلّص الذين واكبوا الفكرة منذ بداياتها وتابعوا نموها معي فلا شيء يفيهم حقهم.
كُلّي شوق لمعرفة آرائكم في هذه الحكاية التي تتكئ على أحداث التاريخ.. لتخوض في تفاصيل الخرافة.
هذه الرواية
لم تكد راية السلطان محمد الفاتح ترفرف على الأراضي شمال الدانوب حتى عادت القلاقل تعصف بها. بدأ الأمر حين وُجد والي ولاشيا العثماني، رادو بيك، منهوش الحنجرة في حمّام قصره. تلت ذلك سلسلة وقائع مرعبة تستعصي على الوصف.
تهامس الأهالي باسم كونت ولاشيا السابق: ڤلاد دراكولا، الشهير بالمُخوزِق، والذي لم يدخر وسعاً لدفع المدّ العثماني عن عرشه، إلى أن قُتل سنة ٨٨١ هـ.
“بُعث دراكولامن الجحيم.. تقمّص الشيطان روحه ورجع لينتقم من الأتراك”.
هكذا انتشرت الخرافة، لترسخها المزيد من الجثث مثقوبة الأعناق. وحين بدأت تلك الجثث تغادر قبورها لتلتحق بجيش سيدها الشيطاني، لاحت في أفق البلقان ثورة محركها الرعب الأعمى، وخرافات العوالم السفلية.
هكذا، اختار السلطان محمدٌ أن يرسل تابعه الموهوبَ، أورهان إفندي، ليكشف حقيقة الخرافة.. ويُخمد أسطورة المُخوزِق.