Saturday  23/07/2005

 
  الصفحة الرئيسية
  أسواق المال
  سياسة دولية
  الناس
  فرانكفورتر الجماينة
  متابعات
  فاينانشال تايمز
  المرأة العاملة
  عقارات
  شركات
  مؤشرات دولية
  الرأي
  رياضة منوعة
  أخيرة
  وظائف شاغرة

 

الرأي

الابتعاث وحده لا يكفي!
م. أشرف إحسان فقيه
21/07/2005
بين مباني (الخارجية) و(التعليم العالي)، وحول التعزيزات المحيطة بالسفارة الأمريكية، تتكرر الوجوه المفعمة بالفتوة والطموح.. وبالأمل في بعثة دراسية.
الإعلان الذي أطلقته وزارة التعليم العالي بالتوسع في الابتعاث الخارجي مجدداً لاقى صدى مثيراً للاهتمام. والإقبال على اقتناص مقعد في البعثات المتجهة إلى الولايات المتحدة وأوروبا، بالرغم من المخاوف المبعثرة هنا وهناك، يعطي صورة واضحة عن حجم سوق (التعليم العالي) عندنا، ويعكس صورة أوضح لحاجتنا الماسة للكفاءات المؤهلة في هذا الوقت بالذات.
ظروف هذه المجموعة من المبتعثين تختلف كثيراً عن الدفعات الكبرى التي سبقتها في السبعينيات الميلادية والتي يتغنى الكثيرون بأمجادها مستشهدين بإسهام مبتعثي ذلك الجيل في تنمية الوطن وتسنمهم أعلى قياداته الحكومية وتشكيلهم وجه قطاعه الخاص. كثيرون يشيرون كذلك إلى دور هؤلاء في «نشر الثقافة الإسلامية والعربيةس وسإعطاء صورة مشرفة عن الإسلام والعرب والسعودية».
لكن في حين غادر المبتعثون الأوائل إلى أرض مجهولة وثقافة مغايرة بالكليّة، فإن الكثير من شباب اليوم ينظرون للغرب كامتداد ثقافي طبيعي يعايشون مظاهره يومياً بشكل أو بآخر. وبينما كان المبتعث قبل عقود أشبه بـ (موظف تحت التمرين) يعرف أنه سيعود ليجد منصباً ومكتباً مُعدّين لاستقباله، فإن الطالب اليوم يدخل منافسة أكاديمية أكثر عالمية ليواجه سوقاً لا ترحم وشروط توظيف أكثر تطلباً. ظروف التشابه إذاً هي أقل مما تبدو. لكن هذا لا ينفي أن على مُخططي البعثات أن يستفيدوا من أخطاء الماضي وهي أكثر من أن تسرد هاهنا.
إلى أي مدى يمكن الاعتماد على ثمة تقييم لتجربة الابتعاث في ذروتها الأولى؟ وهل يسعنا أن نستشرف على ضوئه دفعة جديدة من القيادات (الفذة) خلال بضع سنين؟ مع العلم بأن البعثات السعودية لم تنقطع أبداً، وإنما فقدت كثيراً من زخمها وحسب، طوال الأعوام الماضية.
الواقع أن حركة الابتعاث قد نجحت في إيجاد شريحة مثقفة طالما نُظر لها كحلقة وصل بالعالم الآخر، لكن هذا التواصل الثقافي والاجتماعي لم يُكتب له أن يترك أثراً معتبراً في المشهد الأمريكي ـ مثلاً ـ على الرغم من استمراره طوال عقود. إذ كشفت أحداث السنوات الأخيرة عن جهل فاحش لدى الرأي العام الغربي بالشخصية السعودية تحديداً، على نحو يتصادم مع واقع وجود عشرات الآلاف من مواطنينا هناك ذات يوم، وعلى نحو يرفع علامة استفهام كبيرة حول التراث الذي خلّفه أولئك طوال تلك السنين.
حتى الطابع (العِلمي) لتلك البعثات لا يشفع لها في هذا الصدد. فواقع الحال يشهد بأن الحراك الذي مثّلته كان أضعف من أن يثبت وجوداً عميق الأثر في الأوساط الأكاديمية ذاتها، فضلاً عن عمق حضورها الثقافي أو الاجتماعي، وهو ما يمكن استشعاره بسهولة عبر مقارنته بالأثر الذي يُخلفه الطلبة الصينيون أو الهنود في المجتمع الأمريكي علمياً وشعبياً على حد سواء. والقول إن (خصوصية) الأسرة السعودية ـ والخليجية عموماً ـ يشكل عائقاً في سبيل تعاطٍ أكبر مع المجتمعات الغربية هو قول معتبر تماماً. لكنه يعبر بدقة كذلك عن الصورة النمطية التي كونتها تلك المجتمعات عن الثقافة السعودية (المغلقة) على منسوبيها، وعن الفرد السعودي المرتهن عامة بـ (جماعته) حتى في وقت فراغه الموجه غالباً من قبل منظمات (الأندية السعودية) التي ربما مثلت محاولتنا الأبرز لنقل مفردات (الحضارة السعودية) والمختزلة غالباً في الشماغ والبعير والقهوة وفي المطويات الدعوية.
يبقى المجال التقليدي لنشاط معظم الطلبة السعوديين محصوراً ضمن المساجد والمجتمعات المسلمة، وهي ساحة شهدت العديد من الأمثلة المشرقة قبل أن تختطفها أحداث خريف 2001 وتجعل من الإشادة بها باباً لجدل واسع، ناهيك عن أن المؤسسات الإسلامية التقليدية في الغرب لم تثبت هي الأخرى نفسها كخيار فذ لنقل ملامح الحضارة الإسلامية والعربية كما تشير الأحداث.
عليه، يمكن القول بثقة إن البعثات السعودية مثلت ـ مع وجود استثناءات ـ حالة لتبادل ثقافي أحادي الجانب يقف فيه المبتعث موقف المتلقي. وهو ما يمكن تقبله بالنظر للفارق الحضاري الشاسع بين طرفي المعادلة، لكنها نتيجة تثبت كذلك أن الحديث عن (أثر سعودي) بارز في المجتمع الغربي طوال عقود من الابتعاث هو محض خيال. وتقرر نقطة ضعف في روح برامج الابتعاث يجب تلافيها.
يبقى الاستنتاج الأكثر تفاؤلاً والقائل بظهور أجيال من خريجي الجامعات الغربية تشربت إيجابيات الحضارة الغربية ونقلتها لمجتمعاتها النامية من خلال زتسنمها لأعلى القيادات الحكومية وتشكيلها لوجه القطاع الخاصس كما تقرر الديباجة الفخورة. ولا شك في أن توافد حمَلَة الشهادات المرموقة هؤلاء طوال عقود كان كفيلاً بنقل أوطانهم لمصاف الدول الصناعية المتقدمة. إلا أن الأرقام والمشاهد تعطي نتيجة مغايرة!
فالمؤسسات تنوء تحت ثقل الترهل الإداري والوظيفي، والقصور في تفعيل اللوائح والنظم وحتى في سنّها، إضافة إلى البيروقراطية الضاربة والتأخر في تبني الحلول التقنية وسوء التخطيط وتوزيع الموارد وتدهور القطاعات الخدماتية والصورة الخارجية الشاحبة وسيول شكاوى المواطنين كلها تشهد بخلل شنيع لا يتسق وثلاثين عاماً من البعثات العلمية ومن (الكفاءات العالية) التي عهد لها بتطبيق خبراتها في تنمية الدولة. وهو خلل يدعمه تقرير (الوضع التنافسي لعام 2002) الصادر عن معهد التنمية الإدارية الذي يقارن المملكة بتسع وأربعين دولة أخرى ليصنفها في المرتبة 35 في الكفاءة الإدارية، والـ 39 في البنية الأساسية، والـ 42 في الأداء الاقتصادي.
الآلاف من حملة الشهادات العليا الذين تغص بهم مؤسساتنا يلقون، من جهتهم، بالكرة في ملعب (المجتمع) المستعصي على (الحداثة) ككل. ويشيرون لـ (صدمة حضارية) معاكسة تصيبهم مع عودتهم لأوطانهم ومحاولتهم إعادة تطبيق خبرات البعثة. هؤلاء يقفون في الواقع كشهود على مأساة (البحث العلمي) الذي لا تتناسب مخرجاته المتواضعة مع كم العقول المؤهلة لممارسته، ولا تتناسب مخصصاته مع مواردنا الضخمة، إذ يتلقى ما يقل عن 1 في المائة من الموازنة العامة تتخاطفها أجيال متراكمة من حملة الشهادات العليا واقعة في إسار نظام وظيفي متهالك يطرح تساؤلات جدية حول جدوى الانتساب للسلك الأكاديمي في الأساس!
ما موقع الأفواج الجديدة من المبتعثين السعوديين ضمن هذه الفسيفساء؟ وكيف ستتعامل وزارة التعليم العالي مع إشكاليات ابتعاثهم وإعادة إدراجهم في مؤسسات المجتمع؟ ومع تركز معظم طلبات الابتعاث الجديدة في خريجي الثانوية العامة الراغبين في دراسة (البكالوريوس) وحسب، فكيف سيفيد هؤلاء حركة البحث العلمي لاحقاً؟ الموضوع في حقيقته أكبر من هذه الوزارة التي يبدو أنها تطمح بالفعل لتجاوز أخطاء الماضي إذ كان قرارها إلغاء دورات تأهيل المبتعثين خطوة صائبة في هذا المجال. ومعضلة الابتعاث لا تقف عند حد (التأهيل) كنتيجة نهائية لكنها تتجاوزها لتشمل آليات (التوظيف) و(التنفيذ) و(الصلاحيات) المعهود بها للمسؤول المؤتمن على منصبه. كما أن النظرة للبعثات الدراسية ينبغي أن تتغير من وسيلة أساسية للتواصل مع الآخر، إلى مرحلة ضمن خطة تنفذها كافة قطاعات التعليم والإعلام لإنهاء أزمتنا في التعاطي مع المجتمعات الأخرى، لتليها مراحل لاحقة تكرس لتطبيق هذه الخبرات المكتسبة في داخل الوطن ليس في مجال البحث العلمي وحسب وإنما في مجال الممارسة المتحضرة كذلك، وهي الخسارة التي تعمدنا تكبدها مكابرين طوال عقود، والتي نرجو ألا تروح ضحيتها مجدداً الوجوه المفعمة بالفتوة والطموح والأمل في بعثة دراسية تمثل جزءاً من الحل.
 
 
 
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

اسم المرسل :

نص التعليق :

 
  كتـــــابـــات ســــــابقـــة

 

«اللي ما يصْبرْ ما يَعْبِرْ» ... وهيب سعيد بن زقر

العنف على شاشة التلفزيون .. هل يرفع معدلات العدوانية أم يعادل المشاعر المكبوتة؟ ... فائق فهيم

هل يلتزم الصحافي بالكشف عن مصادره السرية؟ ... د. عبد الله الأشعل

شهابا رصدا: اتحاد القدم والأندية ... ناصر الغربي

مطلة: حينما يتقاسم المتسولون إشاراتنا المرورية !! ... محمد صادق دياب

آفـــاق عالمية: انتبهوا إلى العدو المزروع بينكم ... جون روجي

إن إن: لن أعتذر ... خالد عبد الرحيم المعينا

«بيت أبو عبد الله»: الولد البار ... ماجد بن محمد الشلهوب

الصحة الملبسية: فيروسات المغاسل تتنقل بيننا بحرية ... سناء الغمغام

صوت المرأة: ثقافة الطفل في عالم النسيان! ... عالية الشلهوب

الرئيسية     |  إدارة التحرير    |   مواقع مميزة    |   اشترك معنا    |   للإتصال بنا

© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية للأبحاث و النشر