تقودنا
هذه الصدارة المالية المعلنة للتساؤل عما إذا كانت
كل من شركاتنا الكبرى التي احتلت أربع منها المراتب
الأولى خليجياً (الاتصالات، سابك، الكهرباء،
والراجحي المصرفية على التوالي) تمثل ثقلاً حقيقياً
كقوى داعمة للصناعة الوطنية وللبحث العلمي والتدريب
والخدمة الاجتماعية، فضلاً عن أنشطتها الحيوية في
مجالات المال والاستثمار؟ صدرت عدة تقارير
صحافية خلال الأشهر الماضية متضمنة قوائم بأسماء
كبرى الشركات وأثرى أصحاب الرساميل العربية وفق
إحصاءات العام الماضي. مجلة Gulf Business نشرت
قائمة بأكبر 150 شركة خليجية مساهمة وتلتها Arabian
Business بتصنيف ضم العرب الخمسين الأعظم ثراء.
كمواطن سعودي، تقافزت عيناي بحثاً عن أسماء من
بلادي. ولغبطتي فلم يخب ظني، فالقائمتان حافلتان
بالأسماء السعودية، بل إن هذه الأسماء احتلت مواقع
الصدارة في كلتيهما، لكن الإنجازات العظيمة تصاحبها
استحقاقات عظيمة كذلك، والاعتزاز بما يظهر من هيمنة
مالية سعودية يقترن بالعديد من الاستفسارات المبنية
على الواقع الاقتصادي والاجتماعي للسوق السعودية.
فبالنظر للقائمة الخليجية التي تضم كذلك كيانات من
دبي والبحرين وقطر التي تتنافس كل منها لتفرض ذاتها
مراكز مالية إقليمية وقارية.. يحق لنا أن نتساءل عن
موقعنا من كل ذلك؟ وعما إذا كانت صدارة الشركات
السعودية تعكس حقيقة الفاعلية الاستثمارية وتنافسية
السوق عندنا وانفتاحها عوضاً عن كونها مجرد معيار
لمستوى السيولة المتوافرة، ثم كيف يتفق أن يكشف
التقريران المشار إليهما عن هيمنة رأس المال السعودي
في حين يُعلن تقرير الاستثمار الدولي للعام 2004
الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية
DATCNU أن المملكة تحل في المرتبة الأخيرة بين الدول
العربية حسب مؤشر الأداء العالمي لاستقطاب الاستثمار
الأجنبي المباشر؟ من ناحية أخرى، تقودنا هذه الصدارة
المالية المعلنة للتساؤل عما إذا كانت كل من شركاتنا
الكبرى التي احتلت أربع منها المراتب الأولى خليجياً
(الاتصالات، سابك، الكهرباء، والراجحي المصرفية على
التوالي) تمثل ثقلاً حقيقياً كقوى داعمة للصناعة
الوطنية وللبحث العلمي والتدريب والخدمة الاجتماعية،
فضلاً عن أنشطتها الحيوية في مجالات المال
والاستثمار؟ وعلى سبيل المثال، فما هو حجم مساهمة
شركة الاتصالات مثلاً (وهي كبرى شركات الخليج قاطبة
من حيث قيمتها السوقية) في دعم أبحاث الاتصالات في
الجامعات السعودية أو تصنيع تقنياته؟ وتنسحب هذه
الاستفسارات على قائمة الخمسين الأعظم ثراء والتي
احتل السعوديون 18 خانة كاملة منها. فكيف يساهم
أثرياؤنا في محاربة البطالة ومستويات المعيشة
المتدنية؟ وكيف يتعاونون مع قطاعات الدولة في سبيل
ابتكار قنوات لتنويع مصادر الدخل ودعم البنى
التحتية؟ ثم كيف تنعكس استثمارات هؤلاء على المواطن
تدريباً وتأهيلاً وتوظيفاً؟ باختصار.. هل تتناسب
أحجام ثروات تلك الشركات وأولئك الأفراد مع مدى
فاعلية مشاركتهم في حمل الهم الوطني؟ إن الحديث عن
مساهمة حقيقية للمؤسسات والكيانات المالية في سد
الحاجات الاجتماعية والشعبية هو تذكير بالدور
الاقتصادي الوطني الذي يمليه حق الانتماء وتأخذ به
مدارس الإدارة في الدول المتقدمة التي تحرك القطاعات
الخاصة اقتصاداتها. وحين تصبح المؤسسات الكبرى
شريكاً للدولة في توفير الخدمات الأساسية فإن الرابح
هو المواطن المحتاج والمجتمع المفتقر للخدمة
والاقتصاد المحلي المتعطش للنمو. وقائمة الخدمات
التي عادة ما يدعمها هذا القطاع تمتد لتغطي بناء
المآوي ورفد الأبحاث الطبية وتوفير الأموال للمعدمين
من المرضى وذوي العاهات وإيجاد الوظائف للعاطلين عن
العمل وتوفير المعدات التعليمية وتقديم المنح
الجامعية للمتفوقين من الطلاب مع ضمان الفرص
التدريبية لهم وإمكانية توظيفهم مستقبلاً. والشراكة
مع المؤسسات الكبرى مطلوبة عندنا لدعم التطوير
والتدريب التقني والوظيفي ولمشاركة الجامعات في وضع
المقررات الدراسية بما يخدم واقع سوق العمل في
البلاد، وفي دعم الصناعات والتقنيات التي يجدر ببعض
الشركات المحلية الكبرى أن تستغل خبراتها المتراكمة
فيها عبر احتكارها لوكالات المؤسسات الصناعية
الأجنبية لتكرسها في هذا الصدد، وفي العمل مع
البلديات وإمارات المناطق لتطوير نظم الكهرباء
والمياه والصرف الصحي، وفي المساهمة في المتعثر من
مشاريع تعبيد الطرق وتمويل المراكز الصحية
والمستشفيات. ولعل المصارف السعودية التي تتربع
بدورها على عرش مثيلاتها العربية (الراجحي، سامبا،
الرياض، والسعودي الفرنسي في المقدمة) تستغل شيئاً
من المليارات التي تربحها سنوياً جراء عزوف كثير من
المودعين عن فوائدها في سداد قروض المعسرين أو تزويج
غير القادرين، وتلك ليست بحال نهاية القائمة. اللافت
للانتباه أن بدايات التعامل مع الكيانات الاقتصادية
الكبرى في المملكة شهدت حرصاً على إقحام تلك
الكيانات في عملية تحديث البلاد وتلبية الحاجة
الأساسية للنهوض بمستواها وأبنائها. فكان أن كُلفت
(ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا) ـ أرامكو لاحقاً -
بمد خطوط الهاتف والسكة الحديدية وبإدخال الكهرباء
وإنشاء أول محطات تلفزة وبتطوير المستوى العلمي
لمنسوبيها من المواطنين كذلك. وواجهت الشركات
الأجنبية المتقدمة لمناقصات مشاريع الغاز الكبرى
متطلبات مشابهة وقتها. إلا أن الشركات الوطنية
الكبرى لم تزل غير مجبرة على النزول لحلبة توفير
الخدمات (الشعبية) هذه بالرغم من كون ذلك آكدا في حق
معظمها بوصفها بدأت مدللة مدعومة كلياً من قبل
الدولة وبالنظر للانتعاش الذي تحياه كثير منها في ظل
غياب منافسة خارجية حقيقية في مقابل ضغظ على القطاع
العام تغذيه زيادة مطردة في السكان مقابل تراجع من
نصيب الفرد في الناتج الإجمالي واتساع متزايد في
الهوة بين الشرائح..وهو ما قد يدفعنا أخيراً لإعادة
النظر في غبطتنا بتلك الصدارة السعودية.
م. محمد خلف حمدان
28/02/2005
ان صدور قوائم كبرى الشركات
وأثرى المواطنين يعد أمراً مزعجاً لؤلائك الذين
يرغبون في التكتم على ثرواتهم – من مواطنين و
شركات- حتى لا نرى تسائلات كهذه التي تطرحها.
اقليمياً – و تحديداً عربياً- نادراً ما نرى
مساهمات من القطاع الخاص من شركات و أفراد في
تنمية المنطقة لأن تأسيس تلك الشركات كان و لازال
يعتبر المواطن مصدر دخلة الأول. عزيزي، لقد طرحت
بعفوية تسائلات عن دور الشركات الكبرى في تنمية
المجتمع و البحث العلمي و ايجاد فرص العمل للشباب
السعودي و يشرفني أن أضيف على تسائلاتك تسائلاً
آخر: ما هو حجم زكاة مال هؤلاء الأثرياء؟ هل
أخرجوا زكاة أموالهم؟ هل صرفت تلك الزكاة في
أوجهها الشرعية؟ هل استأثر بالزكاة "العاملين
عليها"؟! لا يوجد لدي أدنى شك بأن زكاة مال
أثريائنا فقط قادرة على ستر المحتاج و تأهيل
العاجز و بناء المدارس و المشاركة في التنمية و
مساعدة مؤسسات الدولة في بناء الوطن. نعم، سنتمكن
من انشاء مراكز أبحاث و سنوطن التقنية و نرفع
مستوى العليم عندما يتخلى أصحاب رؤوس الأموال عن
الأخذ و يتبنوا العطاء. لدي ايمان عميق بأن جهات
معينة لم و لن تسمع ندائك و لا ندائي، فعشرات
الكتاب على مر السنين ناشدوا البنوك و الشركات
الكبرى بأن تساهم في تنمية الوطن و لكن لقد أسمعت
لو ناديت حياُ. هنا يجب أن تتدخل الجهات المعنية
بالزام تلك الجهات بالمشاركة فضلاً لا أمراً. و
أرغب با ختتام مداخلتي المتواضعة بالتذكير ببعض
الاسهامات للقطاع الخاص في تنمية المجتمع، فشركة
كشركة عبداللطيف جميل قد لا تكون الأغنى برصيدها و
سيولتها و لكنها تترك بصمة واضحة في المجتمع،
فهناك صندوق عبداللطيف جميل للتأهيل المهني
والحرفي و صندوق عبداللطيف جميل للمساعدة على
الزواج و مستشفى عبداللطيف جميل لتأهيل المعاقين و
مؤخراً منحة صندوق عبداللطيف جميل للبحث العلمي
والتطوير التكنولوجي. أتمنى أن تأحذوا الشركات و
الأفراد الأغنى – و ان لم تكن أسمائهم في قوائم
الأغنياء- حذو هذه الشركة الرائدة التي لم أسمع أن
غيرها ساهم في خدمة المجتمع، أتمنى أن أكون مخطئاً
و أسمع عن انجازات غيرهم في هذا المجال.